ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين ومما جاء في خطبته السياسية:
عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي، بالموقف الذي وقفه المسلمون بعد معركة أحد، حين جاءهم من يخبرهم أن أبا سفيان ومعه جيشه قد قرروا أن يغزوا المدينة، مستغلين في ذلك الانتصار الذي حققوه في معركة أحد والجراح التي ألمت بالمسلمين، يومها لم يخضع المسلمون لتهديدات أبا سفيان وتهاويله، وقالوا معبرين عن ذلك بثقة وإيمان ويقين: حسبنا الله ونعم الوكيل، فحظوا يومها بنعمة الله وتأييده مما أشار إليه الله سبحانه: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}، ما جعل أبو سفيان يتراجع عما كان يريد القيام به لما رأى من عزيمة المسلمين وإرادتهم.
إن علينا اليوم وأمام كل التحديات والتهاويل التي تواجهنا، أن نقول ما قالوه: حسبنا ونعم الوكيل، وكلنا ثقة بما وعد الله به من نعمة وفضل، وأن لا يمسنا بعدها سوء، وبذلك نكون أقوى وأقدر على مواجهة التحديات...
والبداية من التصعيد الذي أقدم عليه العدو الصهيوني أخيراً باستهدافه للضاحية الجنوبية، والذي يعتبر التصعيد الأخطر منذ اتفاق وقف إطلاق النار، وهو يأتي في إطار سلسلة متصاعدة من الخروقات والاغتيالات التي كان أقدم عليها، والتي يخشى أن يستمر بها العدو بعد تأكيده أن لا خطوط حمراً سيقف عندها في استباحته للأراضي اللبنانية، مستفيداً من الصمت المطبق للجنة المكلفة بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار على انتهاكاته.
لقد أصبح واضحاً أن العدو يهدف من وراء ذلك إلى ممارسة الضغط على الدولة اللبنانية والمقاومة التي أعلنت أنها تقف خلفها، ودفعها إلى مفاوضات ذات طابع سياسي تتيح للكيان الصهيوني في ضوء ما يمتلكه من تفوق تكنولوجي ودعم دولي، الحصول على مكاسب سياسية وأمنية.
إننا أمام ما يجري، نعيد التأكيد على أهمية استنفار الموقف اللبناني إن على الصعيد الرسمي أو الشعبي، لمنع العدو من أي مس بالسيادة اللبنانية، مما عجز عن تحقيقه في الحرب وبعد الأثمان الغالية التي دفعها لبنان على هذا الطريق، وضرورة الوقوف صفاً واحداً في مواجهة الضغوط المستمرة الأمنية والسياسية، ورفض ربط الإعمار بعملية التفاوض.
وهنا لا بد أن ننوه بالموقف الرسمي الموحد الذي أعلن عن رفضه لأي تطبيع مع هذا الكيان أو إجراء مفاوضات سياسية مباشرة معه، وإصراره على الانسحاب الصهيوني من كل الأراضي اللبنانية قبل البحث بأي مسألة أخرى...
وهنا ندعو اللبنانيين إلى أن لا يخدعوا بالحديث الذي يروجه البعض بأن المشكلة تكمن فقط في سلاح المقاومة، وأن الحل في لبنان هو منوط بإنهاء وجود هذا السلاح، في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني وبما لا يقبل الشك أن المشكلة هي في أطماع هذا العدو بهذا البلد وفي مخططه الرامي إلى الإطباق عليه وعلى المنطقة كلها، وأن تكون له اليد الطولى فيها، وهو لا يريد ذريعة لذلك، بل هو يخلق الذرائع عندما تقتضي مصالحه وأهدافه ذلك.
إن على اللبنانيين أن يعوا أن السلاح الأمضى في مواجهة هذا العدو واستعادة أرضهم وأسراهم وسيادتهم، هو في وحدتهم الداخلية وتوافقهم على ما يكفل سيادة هذا البلد وأمنه وحريته، وأن يعوا أن لبنان لن يكون ضعيفاً إن توحدت قواه وجهوده واستنفر دبلوماسيته وصداقاته في العالم ومواقع القوة فيه بدلاً من التصويب عليها...
ونصل إلى غزة التي يستمر العدو فيها بمجازره، وحصاره المطبق عليها، وعمله لتقطيع أوصالها لتوسعة دائرة احتلاله لها، يجري ذلك في ظل صمت العالم على ما يجري.
وقد أصبح من الواضح أنه يهدف من خلال هذا الضغط للوصول إلى هدفه الرئيسي وهو تهجير أهالي غزة أو العدد الأكبر منهم بعد أن يصبح القطاع أرضاً غير قابلة للحياة وليعاد التسويق لطرح الرئيس الأميركي الذي ضغط فيها على أكثر من بلد عربي للقبول بفكرة استيعاب أهل غزة حتى يستريح العدو تماماً من هذه المنطقة.
وهو ما يستكمله في الضفة الغربية التي يعمل فيها على تجريف البيوت والمخيمات والبنى التحتية لإفساح في المجال أمام زحف استيطاني أوسع لإسقاط مقولة الدولة الفلسطينية واقعياً قبل أن تسقط في الطروحات السياسية...
وإلى سوريا، حيث يستمر العدو الصهيوني باستهدافه واستباحته لهذا البلد والعمل لإضعاف قدراته والعبث بوحدته ومنع قيام الدولة، ليفرض ما يريد من الشروط على السلطة الجديدة فيها، ويرسم مسارها...
ونحن في ذلك نجدد دعوتنا للشعب السوري إلى التنبه لما يخطط له العدو والتوحد لتفويت الفرصة عليه ومنعه من تحقيق أهدافه وأطماعه في هذا البلد.
في هذا الوقت نشهد استمرار للغارات على اليمن واستهداف بنيتها التحتية...
إننا وأمام ما يجري، ندعو الدول العربية والإسلامية وشعوبهما، بضرورة الوقوف صفاً واحداً في هذه المرحلة لمواجهة كل ما يتهدد المنطقة وأن يتجاوزوا في ذلك كل الحسابات التي تعيقهم عن ذلك، لأن نجاح العدو في ما يسعى إليه، لن يقف عند حدود هذه الدول، بل إلى تغيير وجه الشرق الأوسط كله، وسينعكس على كل الدول العربية والإسلامية ضعفاً وجعلها تفقد حضورها على صعيد المنطقة والعالم.